سياسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

سقوط النظام العالمي وتلاشي حلم التفرد الأمريكي


كثرت المقالات والأخبار بعد الهجوم الروسي على أوكرانيا عن تأثير هذه الحرب على النظام العالمي، وتذهب بعض التوقعات إلى أن هذا النظام سيتغير بشكل كبير لصالح روسيا والصين على حساب أمريكا والغرب، بسبب الصعود الصيني وقوة روسيا وتغير موازين القوى في العالم. وتذهب توقعات أخرى إلى ترجيح فشل روسيا، ثم تطوير هذا النظام الذي تم فرضه على العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، والقضاء على ما يتهدده من أخطار وتكريس الهيمنة الأمريكية والغربية على العالم. (ينظر مثلاً في الروابط: مركز الفكر الاستراتيجي للدراسات، ومركز الجزيرة للدراسات، والجزيرة مباشر، وعربي بوست.)


المراد بالنظام العالمي أنه نظامٌ لدُوَل، وليس لأفراد أو كيانات غير الدول. وهو مجموع القوانين التي تنظم العلاقات بين هذه الدول، بتحديد حقوقها وواجباتها تجاه بعضها بعضاً، ويلتحق بذلك قواعد تلتزمها الدولة داخلياً يفرضها صناع السياسات الدولية والمتحكمون بها. والمراد بهذه المقالة بيان عجز أمريكا عن المحافظة على هذا النظام، المصاغ لتحقيق مصالحها بالدرجة الأولى، والذي تسعى بواسطته إلى التفرد بحكم العالم، وبيان أنّ مكانتها الدولية تهتز، وحلمها بالتحكم بالعالم مهدد بالتحطم والتلاشي.


لقد ألقى موقع أوكرانيا بين روسيا وأوروبا، في حمأة صراعات الدول على النفوذ وسباقاتها على التفوق، وتحت وطأة حماقة القيادة السياسية الأوكرانية، أعباءً جيوسياسية على أوكرانيا، جعلت منها ميداناً لهذه الحرب المدمرة، وساقتها إلى التضحية بمقدراتها البشرية والمادية وجعلِ كلِّ ذلك وقوداً لها. والحقيقة أنّ أطراف هذه الحرب هي روسيا وأمريكا بالدرجة الأولى وليس روسيا وأوكرانيا، تأتي بعدهما أوروبا تقودها أمريكا والصين مع روسيا. ولما كانت هذه الدول كبرى ونووية، فإن هذه الحرب تُعَدُّ حدثا ضخماً في صراع عالمي ومصيري، يتزايد خلالها انقسام دول العالم وتباينُ مواقفها. وبغض النظر عن احتمالات نتائجها - الأمر الذي لا تتعرض له هذه المقالة - فإن ما آلت إليه حتى الآن، من نتائج عسكرية وعقوبات، ومن تصلب مواقف أطرافها، ينذر بزيادة التصعيد وبتغييرات في النظام العالمي قد تصل إلى انفراط عقده وسقوطه. ومن الوارد حصول تغييرات كبيرة في بعض البلاد. ونظراً لكثرة التغييرات المحتملة، تقتصر هذه المقالة على موضوع النظام العالمي، وحلم طغمة الاستكبار الأمريكي بالسيادة على العالم، وعلى بيان الفشل المتعاقب لمحاولات تحقيق هذه السيادة، وتهاوي هذا الحلم.


لطالما تحدث حكام أمريكا وساستها عن النظام العالمي النهائي الذي يتطلعون لتحقيقه، وقد تعالت أصواتهم المتفائلة في ذلك بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وتفككه بداية تسعينات القرن الفائت، حيث رأوا في ذلك فرصة ذهبية لتحقيق هذا الحلم. ومنذ ذلك الوقت وحتى الآن وهم يطوِّرون استراتيجياتهم، الواحدة تلو الأخرى، بدءاً بجورج بوش الأب مروراً ببوش الابن ثم أوباما ثم ترامب وصولاً إلى جو بايدن حالياً. وقد آل أمر هذه الاستراتيجيات إلى فشلٍ متعاقب، أورث دهاقنتهم وصناع سياساتهم إحباطاً ويأساً من القدرة على التفرد بقيادة العالم. والحقيقة أبعد من ذلك، إذ إنها خوف يستشري فيهم من التراجع والانحطاط، ويأس من تحقيق حلمهم، بأن أمريكا هي مقياس الخير، ومصدر القيم التي أرادها الله للعالم، وأن من لا يخضع لها ينتمي إلى الإرهاب أو الشر ومحوره.


لا يقتصر بيان الحلم الأمريكي المغرور ثم اليأس من تحقيقه على تتبع المواقف وتحليل السياسات، فذكره يتكرر في وثائق استراتيجيات الإدارات الأمريكية. وهو جليٌّ في كتاب هنري كيسنجر "النظام العالمي نظرات حول طبائع الأمم ومسار التاريخ" الذي أصدره عام 2014 واستعرض فيه نشأة هذا الحلم الأمريكي ثم التقدمَ في تنفيذه، والذي حذر فيه من اليأس الذي بدأ ينال من حكام أمريكا وصُنَّاع قرارها.


يقول كيسنجر إن هناك نظماً سادت تاريخياً على أجزاء واسعة من الأرض كالصين وروسيا والخلافة الإسلامية، وهي تتعارض مع النظام السائد حالياً ولا تقيم له وزناً. وإن النظام العالمي السائد أنشأته أوروبا، ولكنها لم تلتزم تطبيقه تماماً وعجزت عن الإلزام العالمي به، وعن حفظ الأمن والسلم العالميين. وأن هذا الدور منوط عملياً بالولايات المتحدة القوية والقادرة على مواجهة التهديدات المتنامية للأسس الغربية للنظام العالمي التي يمثلها كلٌّ من الصين والإسلام. ويقول إن الولايات المتحدة ليست كأي دولة، بل هي فكرة أرادها الله لتنفيذ إرادته، وهي مصدر القيم المثالية التي يحلم بها كل الناس. وهي تريد تطوير النظام العالمي خدمةً للبشرية ولتعميم القيم المثالية. وينبش كيسنجر أقوالاً وأقاصيص موهِمة يكررها لتكريس هذه المزاعم، فيؤكد أن فكرة الهيمنة النهائية والعلمانية على العالم موجودة منذ ما قبل تأسيس أمريكا، وأنها تقدمت بنجاح، إلى هذا العصر الذي بدأت تتعرقل فيه كما سيتبيّن. يقول: "المحامي الطهراني جون وينثروب، الذي هاجر بحراً عام 1630 هرباً من القمع الديني، متجهاً إلى نيو إنجلاند في أمريكا، قال وهو يعظ على متن السفينة إنّ مشيئة الله قضت أن تكون أمريكا مثالاً لكل الناس... عندما يجعلنا سبحانه ثناءً ومجداً، سيعكف الناس بسبب النجاحات التي نؤسس لها على تكرار الدعاء: نسأل الله أن يجعلنا مثل نيو إنجلاند! لأننا يجب أن نرى أننا سنكون مثل مدينة فوق تلة، إن أنظار جميع الناس متوجهة إلينا". ويقول: "لم يشكَّ أحدٌ أنه في أمريكا سيتم بطريقة ما، كشفُ حقيقة الإنسانية وتحقيقُ الغاية من وجودها بشكل كامل". ويؤكد أن أوروبا التي أنشأت هذا النظام قد عجزت عن حفظه وحمايته، وأن هذا الفخر هو لأمريكا فقط. يقول: "مع مرور الوقت، ستصبح الولايات المتحدة المدافع الذي لا غنى عنه عن النظام الذي صممته أوروبا". ويتجلى الاستكبار الأمريكي في أقوال له منها: "الولايات المتحدة نموذج وملجأ للملايين. وفي الوقت نفسه، فإن الاقتناع بأن المبادئ الأمريكية عالمية... يعني ضمناً أن الحكومات التي لا تمارسها ليست لديها شرعية كاملة". ويسهب كيسنجر في الحديث عن نجاح أمريكا الذي أوصلها لمراتب خارقة، ومما يقوله في ذلك: "طوال القرن التاسع عشر، كانت الولايات المتحدة محظوظة لأنها تمكنت من معالجة تحدياتها بالتتابع، وكثيراً ما وصلت إلى درجة الدقة النهائية". ويقتبس أقوالاً كثيرة في هذا الأمر لجعل هيمنة أمريكا على العالم حلماً مقدساً عند الأمريكيين، وسائغةً مقبولةً عند سائر الناس الذين عليهم أن ينظروا إلى أمريكا بوصفها السيد الذي يشعُّ على العالم ويمدُّه بالقيم العالمية. فيقول: "نجاح الولايات المتحدة سيكون بمثابة توبيخ دائم لجميع أشكال الحكومات الأخرى، ما يؤدي إلى عصر ديمقراطي مستقبلي". ومنها: "كانت أمريكا تؤكد بقوة أنها لم تسعَ للتوسع الجغرافي... بل لنشر مبادئ التحرر وفقاً للتعاليم الإلهية... إن الولايات المتحدة هي دولة المستقبل العظيمة، وهي منفصلة عن كل شيء سبقها في التاريخ ومتفوقة عليه". ومنها: "لم تكن الولايات المتحدة مجرد دولة، بل هي المحرِّك لخطة الله وخلاصة النظام العالمي". والمراد "بالمحرك" المُوتور. والمراد "بخطة الله" الهدف الذي يريد الله سبحانه وتعالى تحقيقه. والمراد "بخلاصة النظام العالمي" أنها صورة أو مثال مصغر عن العالم كما ينبغي أن يكون. والمعنى المراد بإيجاز هو أن أمريكا هي خليفة الله للبشرية قاطبةً في كل الأرض.


وهكذا يمضي كيسنجر بتقديم ذرائع السيطرة على العالم، وفي بيان أن هذا الأمر يدركه رؤساء أمريكا المتعاقبون، والذين درجوا على وصف أمريكا بالدولة المقدسة والنموذجية. فيقول مثلاً إن أهم إنجازات رونالد ريغان انتصاره على الاتحاد السوفيتي في الحرب الباردة، وأهم من ذلك إيمانه بمكانة أمريكا الخيالية. قال: "ولعل المثال الأكثر تأثيراً خطابه الوداعي عندما ترك منصبه عام 1989، حيث وصف رؤيته لأمريكا بأنها المدينة المشرقة فوق التل بقوله: "لقد تحدثت عن المدينة المشرقة طوال حياتي السياسية... كانت مدينة فخورة طويلة مبنيّة على الصخور، أقوى من المحيطات والرياح العاصفة، وباركها الله، وتعج بالناس من جميع الأنواع الذين يعيشون في وئام وسلام. مدينة ذات منافذ حرة مليئة بالتجارة والإبداع، وإذا كان يجب أن تكون هناك أسوار للمدينة، فإن الجدران بها أبواب، والأبواب مفتوحة لأي شخص لديه الإرادة والقلب للوصول إلى هنا. هكذا رأيتها، وما زلت أراها".


ثم يتحدث كيسنجر عن الأخطار التي تهدد المكانة التي حققتها أمريكا خلال تاريخها، والتي قد تقضي على حلُمها المذكور. من أهم هذه الأخطار الصين والإسلام. فالصين ترى أن النظام العالمي القائم لا يعطيها ما تستحق، وأنها حين قبلت به فعلت ذلك على مضض. والإسلام له موقفه الرافض للنظام العالمي، وقد فشلت محاولات تفريغه من مضمونه السياسي وما يتعلق بشؤون الحكم والدولة. ولذلك يسهب في بيان الفرق الجوهري بنظره بين الإسلام والنصرانية في هذا الشأن. ويعرض الإسلام عرضاً يُظهر خطره الحضاري والسياسي. يقول مثلاً: "قدّم تقدم الإسلام السريع عبر ثلاث قارات إثباتاً لصدق رسالته وأنها سماوية. وبناءً على القناعة بأن انتشار الإسلام سيوحد البشرية جمعاء ويجلب لها السلام، كان الإسلام في الوقت نفسه: ديناً، وكياناً عظيماً متعدد الأعراق، ونظاماً عالمياً جديداً" ويسهب في حديثه عن الإسلام السياسي وتطبيقاته، وفي تصويره غريباً متطرفاً ومخيفاً. فيقول مثلاً: "دار الإسلام، من الناحية النظرية، في حالة حرب مع دار الكفر، لأن الهدف النهائي للإسلام العالم بأكمله. إذا تم تقليص دار الحرب بواسطة الإسلام، فإن النظام العام للسلام الإسلامي سينسخ كل النظم الأخرى. ومجتمعات غير المسلمين إما أن تصبح جزءاً من المجتمع الإسلامي، أو أن تخضع لسيادة الإسلام". ويقول: "رسالة الإسلام هي دمج هذه المناطق في نظام الإسلام العالمي. ودار الإسلام يجب أن تكون تحت حكم مؤسسة الخلافة".


الشاهد في أقوال كيسنجر حديثه عن فشل سياسات أمريكا في القضاء على ما يهدد مكانتها، أو يعرقل تقدمها نحو التفرد العالمي، وتحذيره من الإحباط الذي يغزو الوسط السياسي الأمريكي من تحقيق حلم التفرد والمدينة المُشرِقة فوق التل. ويظهر هذا الأمر بوضوح في اقتراحه التكيف مع الواقع وترتيب الأولويات، وبخاصة فيما يتعلق بالصين والإسلام، اللذين يمثلان أخطاراً قائمة وقادمة. فتوجيهات التكيف مع الواقع تدل على العجز عن تغييره. والإرشاد إلى العمل بحسب الأولويات توجيه إلى التخلي عن بعض الأهداف ولو مؤقتاً. وفي هذا أدلة على التراجع وعلى ما سماه كيسنجر انحطاطاً. أي على أن موازين القوى لا تمكن أمريكا من تحقيق التفرد.


لقد لقي كتاب كيسنجر "النظام العالمي" اهتماما كبيراً وأثار نقاشات، كان منها حوار طويل وشامل أجراه معه الصحفي الأمريكي جيفري غولدبيرغ من صحيفة ذي أتلانتك The Atlantic الأمريكية في 15 تشرين الثاني 2016. ومما جاء في هذا الحوار حول تراجع أمريكا وانحطاطها وهواجس اليأس:

 

"غولدبيرغ: كيف تفهم استراتيجية الصين في الوقت الحاضر؟
كيسنجر: هنالك تفسيران محتملان لاستراتيجية الصين، الأول يفترض أن الصين تعتقد أن العالم يسير نحو ترجيح كفتها، وأنها في النهاية سوف تسيطر عليه بشكل ما، ولذلك يسعى الصينيون لإبقائنا صامتين خلال حدوث هذه التغيرات لفائدتهم.
غولدبيرغ: وهل تعتقد فعلا أن دورة التاريخ تسير لصالحهم؟
كيسنجر: بعض الخبراء في الصين يعتقدون ذلك... ومن أجل تجنب المخاطر الناجمة عن استعمال الدول المتقدمة التكنولوجيا، سيتوجب على هذه الدول إيجاد صيغة للتعاون فيما بينها.


غولدبيرغ: هل تم تحطيم الخصوصية أو الاستثنائية الأمريكية؟


كيسنجر: لا، مفهوم الاستثناء الأمريكي لا يزال موجودا، ولكن معنى المدينة المشرقة على التل بدأ بالتراجع.
غولدبيرغ: هل كان أوباما قادرا على فهم مفهوم المدينة المشرقة على التل، ومفهوم الخصوصية الاستثنائية؟
كيسنجر: ليس ذلك بكل ما تحمله الكلمة من معنى... من المؤكد أننا تمادينا في الاعتقاد بأننا يمكننا تحقيق الديمقراطية في فيتنام أو في العراق من خلال هزيمة خصومنا عسكريا ومن خلال نوايانا الحسنة... لقد ولت حقبة الاستثنائية الأمريكية منذ الحرب الباردة، لكن المهمة الرئيسة للإدارة الجديدة هي القدرة على التكيف مع الأوضاع.
غولدبيرغ: هل كنت تعتقد أن الولايات المتحدة لن تعيش هذه المرحلة من الانحطاط؟


كيسنجر: لا أستطيع أن أصدق أن ذلك سيحدث... ولتفادي وصول الولايات المتحدة إلى هذه المرحلة من الانحطاط، يجب علينا العمل دائما بالرجوع إلى أسس قيمنا ومبادئنا التقليدية. لكن للأسف، نحن نحتاج دائما إلى إجراء تعديل جزئي في هذه المبادئ عند الاصطدام بثقافة العديد من المجتمعات الأخرى".


وما زال كيسنجر - وقد ناهز المائة - يطل في كل مناسبة محذراً من الأخطار التي تهدد أمريكا، ومن ذلك اقتراحه في تصريح أدلى به في 24 أيار 2022 إنهاء الحرب في أوكرانيا بتقديم الأخيرة أجزاء كبيرة من أراضيها لروسيا. فكأنه ينصح حكام أمريكا بالتراجع عن سياستهم الحالية تجاه روسيا.


نعم، إن مجريات الأحداث العالمية منذ ما يزيد على عقدين، تؤكد على فشل أمريكا، واهتزاز النظام العالمي السائد، والحرب الروسية الأمريكية الجارية على أرض أوكرانيا تشير بقوة إلى ضرورة سقوط هذا النظام، وقرب انفجاره.

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
محمود عبد الهادي