الأجوبة السياسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 


جواب سؤال

 

زيارة بايدن للشرق الأوسط والملف النووي

 

السؤال:

 

(غادر الرئيس الأمريكي جو بايدن "اليوم الأربعاء" العاصمة واشنطن متوجهاً إلى الشرق الأوسط في زيارة رسمية تشمل "إسرائيل" والضفة الغربية والمملكة العربية السعودية... العربية نت 2022/07/13م). وكان اليوم السابع قد نشر في موقعه بتاريخ 2022/7/10: (قال الرئيس الأمريكي جو بايدن إنه سيسافر إلى الشرق الأوسط الأسبوع القادم لبدء فصل جديد وواعد للدور الأمريكي في المنطقة...)، وكانت الشرق الأوسط قد نشرت في موقعها بتاريخ 2022/7/5: (قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية نيد برايس إن إيران قدمت مراراً في الأسابيع والشهور الأخيرة مطالب خارج إطار الاتفاق النووي المبرم عام 2015... وقال إنه لا توجد جولة أخرى من المحادثات المزمعة مع إيران في الوقت الحالي وفق وكالة رويترز للأنباء...)، والسؤال الآن هو: هل هذا يعني أن أمريكا قد أدارت ظهرها للاتفاق النووي؟ ثم ما هو الهدف من زيارة بايدن في هذا الوقت؟ وهل لهذه الزيارة علاقة بالاتفاق النووي أو أن هذه الزيارة هي لأمور أخرى؟ وهل يمكن لإيران أن تصبح قوة نووية؟ وبارك الله فيك وبك ونصرك وفتح عليك...

 

الجواب:

 

إن السؤال هو من جزأين: الأول عن موضوع الاتفاق النووي مع إيران، والثاني عن زيارة بايدن، وإليك الجواب:

 

أولاً: الاتفاق النووي:

 

1- إن الملف النووي الإيراني بأبعاده المحلية والإقليمية والدولية هو جزء مهم من السياسة الأمريكية مع إيران، بل ويتداخل مع مسائل أخرى ليصبح ذا أبعاد إقليمية ودولية في الاستراتيجية الأمريكية، لذلك فإنك ترى أمريكا منذ توقيع الاتفاق سنة 2015 والتنصل منه سنة 2018 ومفاوضات العودة إليه كما يحصل اليوم، تراها تنزاح يميناً ويساراً بخصوصه وفق ما يستجد من معطيات في سياستها. وبإنعام النظر في رؤية الولايات المتحدة الاستراتيجية للبرنامج النووي الإيراني نجد أن السياسة الأمريكية هي أقرب إلى إدارة هذا الملف منها إلى حله! وهذه الرؤية الأمريكية للملف النووي لا تنفصل بحال عن الاستراتيجية الأمريكية الإقليمية في المنطقة الإسلامية والدولية.

 

2- إن الحقيقة الموضوعية التي يجب الإقرار بها هي أن إيران وفي جل سياساتها الخارجية تقوم بالتنسيق من وراء ستار مع أمريكا ولا تخرج عن السياسة الأمريكية، ولعل الاحتلال الأمريكي للعراق سنة 2003 قد كشف هذا التنسيق بشكل كبير، إذ كان النفوذ الأمريكي والإيراني يسيران جنباً إلى جنب في العراق، ثم إن التحالف الدولي الذي قادته أمريكا ضد تنظيم الدولة وتدخَّل في سوريا لم يقم بضرب أي من الأهداف الإيرانية في سوريا ولا مليشياتها، فتركتهم أمريكا يحاربون الثورة في الشام لاستئصالها، وقامت أمريكا بطائراتها بضرب الثوار في الشام تحت ذرائع "الإرهاب"، وهذا أيضاً لا يكون إلا بين الدول المتفقة على الأدوار، فالدوران الأمريكي والإيراني كانا يهدفان للحفاظ على عميل أمريكا بشار. ثم إن الاحتلال الأمريكي لأفغانستان قد كشف أيضاً عن التنسيق الأمريكي الإيراني، وكانت بعض التصريحات الإيرانية تبين فضل إيران على أمريكا في تسهيل احتلالها لأفغانستان!

 

3- بعد نهاية الحرب العراقية-الإيرانية سنة 1988 وبروز العراق كقوة عسكرية كبيرة أخذت إيران سنة 1989 تبني برنامجها الصاروخي والنووي للتغطية على ما يشبه خسارتها للحرب مع العراق، وكانت أمريكا تساعد إيران رسمياً في الأبحاث النووية منذ الخمسينات، وتوقفت تلك الأبحاث بعد ثورة الخميني إلا أنه تم إطلاقها سنة 1989. ومع تحطيم الجيش الأمريكي للقوة العراقية سنة 1990-1991 وإخراجه من الكويت وفرض العقوبات وحملات التفتيش على العراق فقد خلت الساحة إقليمياً لإبراز القوة الإيرانية. وكانت السياسة الأمريكية ما بعد الحرب الباردة تبحث عن عدو وهمي لتبرير الوجود الأمريكي في قواعد عسكرية عبر العالم بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، وكانت إيران هي الحجة والذريعة، فأصبحت أمريكا تبرر الكثير من سياساتها بالخطر الإيراني حتى إن روسيا قد استغربت بشدة تذرع أمريكا بنصب الدرع الصاروخية الأمريكية في دولتي بولندا ورومانيا بالتهديدات الصاروخية الإيرانية!

 

4- وهكذا أصبح البرنامج النووي الإيراني ومسارعة إيران لنصب الآلاف من أجهزة تخصيب اليورانيوم تدق ناقوس الخطر في الدول الأوروبية الكبرى وكذلك دويلات الخليج. وبالتدقيق نجد أن كل هذا كان لازماً للسياسة الأمريكية من نواحٍ عدة:

 

أ- إيجاد التهديد الإيراني لدول الخليج حيث منابع النفط لتمكين أمريكا من عرض الحماية على الحكام، فكان الرئيس ترامب يتبجح بأن أمريكا تقدم الحماية للسعودية ويطالبها بدفع المال على طريقة الابتزاز والمافيا قائلاً إنها لن تصمد أسبوعين دون الحماية الأمريكية.

 

ب- على المستوى الدولي أخذت أمريكا تفرض المزيد من الحصار الاستراتيجي على روسيا وتنصب درعها الصاروخية بالقرب من حدود روسيا، كل ذلك تحت ذرائع منها حماية دول أوروبا من الصواريخ الإيرانية.

 

5- ومع تعاظم المخاوف الأوروبية أخذت القوى الدولية ومنذ سنة 2006 تفاوض إيران على أمل ضبط برنامجها النووي في الإطار السلمي دون العسكري، وتأسست لأجل ذلك مجموعة 5+1، أي القوى الدولية النووية الخمس + ألمانيا، وعلى الرغم من أن أمريكا كانت إحدى تلك القوى الدولية إلا أن المفاوضات النووية تلك مع إيران كانت تخوضها القوى الدولية بدون مشاركة أمريكا المباشرة، بمعنى أن تلك المفاوضات والتي استمرت 9 سنوات (حتى 2015) لم تكن أمريكا جدية فيها لتقييد البرنامج النووي الإيراني، فكانت الدول الأوروبية بالإضافة إلى روسيا والصين تعقد الجلسة تلو الجلسة في دورة مفرغة من المفاوضات، تلك المفاوضات التي ساعدت هي الأخرى في إبراز القوة الإيرانية وإظهار مخاطرها.

 

6- ثم إن الانقسام الداخلي في أمريكا قد أثر بقوة على البرنامج النووي الإيراني، فقد كانت فترة إدارة ترامب هي الفترة التي وصل فيها الانقسام الأمريكي حداً خطيراً، فهاجم الرئيس ترامب وقتها سياسة سلفه أوباما بخصوص برنامج إيران النووي، فبالإضافة إلى خروجه من الاتفاق النووي سنة 2018 أعلن عن عقوبات قصوى ضد إيران وفتح المجال لكيان يهود للمزيد من النيل من إيران، ولأنه يتصرف بعنجهية "الكاوبوي" فقد قام بإذلال إيران حين قتل قاسم سليماني قائد فيلق القدس في حرسها الثوري بداية كانون الثاني/يناير 2020، ولأن إدارة ترامب كانت في حالة وئام تام مع كيان يهود بقيادة نتنياهو بعكس إدارة أوباما الديمقراطية فإن كيان يهود قد أخذ يتمادى في ضرب الأهداف الإيرانية، سواء أكانت أهدافاً نووية مباشرة كمثل تخريب محطة "نطنز" أم كانت غير مباشرة مثل قيام كيان يهود بسرقة وثائق نووية حساسة من إيران بالإضافة إلى عمليات اغتيال متعددة لعلماء وخبراء نوويين إيرانيين...

 

7- وهنا صار الديمقراطيون في أمريكا وهم خارج الحكم يتصلون بأركان النظام الإيراني خاصة وزير الخارجية وقتها جواد ظريف ويمنونهم بأن فوز الحزب الديمقراطي في الانتخابات الرئاسية 2020 سيعني العودة للاتفاق النووي، وكان هذا وعداً معلناً للمرشح الديمقراطي بايدن قبل أن يصبح رئيساً، وهكذا ألزم بايدن نفسه بالعودة للاتفاق النووي مع إيران بدوافع ذات علاقة بالانقسام الداخلي في أمريكا. وفعلاً عادت أمريكا للمفاوضات النووية مع إيران بعيد تسلم الرئيس بايدن لمهام منصبه في أمريكا بداية 2021 إلا أن المفاوضات لا تزال تراوح مكانها، وذلك أن عودة أمريكا للاتفاق النووي مع إيران لم تعد من مقتضيات الاستراتيجية الأمريكية، بل هي تقتضي إبراز التهديدات الإيرانية من جديد، وفضلاً عن ذلك طالب النواب الجمهوريون في الكونغرس بعرض الاتفاق الجديد مع إيران للتصويت في الكونغرس وهددوا بالتنصل منه مرة أخرى حين تصير لهم الغلبة في الكونغرس، وهذا أربك عملية المفاوضات، وها هي تمر سنة ونصف السنة دون أن تتمكن إدارة بايدن من العودة للاتفاق النووي مع إيران.

 

8- ثم ألقت الحرب في أوكرانيا بظلالها على موضوع الاتفاق النووي، فقد أخذت إدارة بايدن على عاتقها ضمان التوريدات النفطية لأوروبا بديلاً عن مثيلتها الروسية، وهذا من مقتضيات القيادة الأمريكية للغرب ضمن تحالف الناتو، وصارت إدارة بايدن تقلب أوراقها إلى ضرورة رفع العقوبات عن إيران ودفع تجارتها النفطية للسوق الدولية، وكذلك مع فنزويلا والسعودية، وبخصوص إيران فقد برز اندفاع أمريكي للمسارعة في عقد الاتفاق النووي مع إيران خلال شهر آذار 2022، أي بعيد الغزو الروسي لأوكرانيا، وكانت إدارة بايدن جاهزة للاستجابة لمطلب إيران برفع حرسها الثوري من قائمة الإرهاب التي زجه فيها الرئيس السابق ترامب، فصارت عودة أمريكا للاتفاق النووي قاب قوسين أو أدنى من باب ما استجد للسياسة الأمريكية بعد حرب أوكرانيا، لكن لما أخذت روسيا، وهي من مجموعة 5+1 تشترط استثناء علاقاتها التجارية مع إيران من العقوبات الغربية على روسيا فقد تراجعت أمريكا عن توقيع الاتفاق. ومن المتوقع إن بقيت روسيا على شروطها أن يستمر موضوع الاتفاق النووي متباطئاً خلال الأشهر المقبلة حتى انتهاء الانتخابات النصفية للكونجرس الأمريكي في تشرين الثاني/نوفمبر 2022... فإن الملاحظ أن بايدن يركز الآن على موضوع الانتخابات النصفية أكثر من تركيزه على الاتفاق النووي مع إيران...

 

ثانياً: زيارة بايدن للمنطقة:

 

1- إن المتدبر لزيارة بايدن للمنطقة يرى أنها مقدِّمة للانتخابات النصفية لرفع أسهم بايدن وحزبه في هذه الانتخابات حتى وإن غُلِّفت ظاهرياً بأهداف أخرى! إن بايدن في أزمة داخلية مع الحزب الجمهوري وبخاصة في أمرين لافتين للنظر: الأول استغلال الحزب الجمهوري لتزايد اهتمام بايدن بالاتفاق النووي مع إيران دون ضغوط ومزيد من العقوبات كما كان يفعل ترامب، والثاني عدم اهتمام بايدن بزيادة العلاقات وتقويتها مع كيان يهود كما كان يفعل ترامب، ولأن هذين الأمرين يؤثران في الانتخابات النصفية للكونجرس فقد حاول بايدن أن يعالج هذين الأمرين خلال هذه الأشهر المتبقية للانتخابات النصفية في تشرين ثان/نوفمبر 2022:

 

* فكان علاج الأمر الأول بأن قدَّم بايدن لهذه الزيارة بتصريح المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية نيد برايس الذي نقلته الشرق الأوسط في 2022/7/5 (... إنه لا توجد جولة أخرى من المحادثات المزمعة مع إيران في الوقت الحالي...)، هذا بالإضافة إلى تصريحات بايدن حمّالة الأوجه عن الاتفاق ما يؤدي إلى إنهاء جولات الاتفاق النووي، أو حدوث تباطؤ بها، وذلك إلى ما بعد الانتخابات النصفية لمنع استغلال الحزب الجمهوري لها ضد بايدن وحزبه...

 

* ثم عالج الأمر الثاني بأن أعلن دعماً غير مسبوق لكيان يهود بتمرير أكبر حزمة دعم لتل أبيب في التاريخ تقدر بأكثر من 4 مليارات دولار... هذا بالإضافة إلى تسريع التطبيع مع دولة يهود، وكل ذلك ليضمن تأثير أصوات اللوبى اليهودي في الانتخابات النصفية لصالحه مزايداً على ترامب وحزبه في دعم كيان يهود... ولذلك فإن توقيت زيارة بايدن للمنطقة وخاصة إلى كيان يهود في هذا الشهر تموز 2022، وإبداء الدعم لهم يُكسب بايدن ورقة انتخابية من ذلك اللوبي... هذا بالإضافة لزيادة شعبيته بإظهار تأييد عملائه وأتباعه في المنطقة! وخاصة موضوع الطاقة من السعودية ودول الخليج، وهذا يرفع أسهمه الانتخابية، وقد تم تأكيد ذلك بما يلي:

 

أ- [قال البيت الأبيض إن الرئيس الأمريكي جو بايدن يرغب في استغلال زيارته للشرق الأوسط - التي يبدؤها الأربعاء - لتعزيز الدور الأمريكي في منطقة تكتسب أهمية استراتيجية بشكل مطّرِد. واستعرض مستشار الأمن القومي الأمريكي جيك سوليفان - في مؤتمر صحفي بالبيت الأبيض، الاثنين - أهداف هذه الزيارة، وهي الأولى لبايدن في رئاسته، وتشمل إسرائيل وفلسطين ثم السعودية، التي سيجتمع فيها مع قادة دول مجلس التعاون الخليجي ومصر والأردن والعراق. وفي ملف التطبيع، أشار سوليفان إلى رغبة الإدارة الأمريكية في تعزيز ما سماه مسار تحسين العلاقة بين إسرائيل والمزيد من الدول العربية، قائلا إن أي تطبيع يعد إيجابيا.

 

وكان بايدن دعا دول الخليج إلى زيادة إنتاج النفط، في ضوء أسعار مرتفعة فوق مستوى 100 دولار للبرميل؛ مما أسهم في ارتفاع معدلات التضخم، في ظل مخاوف عالمية بشأن أمن الطاقة والغذاء مع استمرار الحرب الروسية على أوكرانيا. الجزيرة 2022/7/11]

 

ب- نشرت الجزيرة في موقعها 2022/7/10 عن مقال بواشنطن بوست: [... قال الرئيس الأمريكي جو بايدن إنه سيسافر إلى الشرق الأوسط الأسبوع القادم لبدء فصل جديد وواعد للدور الأمريكي في المنطقة... وفي المقال الذي نشرته واشنطن بوست، قال الرئيس الأمريكي إن اجتماع قادة المنطقة في مدينة جدة بالسعودية سيكون مؤشرا لإمكانية وجود شرق أوسط أكثر استقرارا، وفق تعبيره... مشيرا إلى أنه سيكون أول رئيس أمريكي يسافر من إسرائيل إلى جدة... وفيما يخص العلاقات مع إسرائيل، أشار بايدن إلى أن إدارته قامت بتمرير أكبر حزمة دعم لتل أبيب في التاريخ تقدر بأكثر من 4 مليارات دولار...].

 

ج- نشرت الشرق الأوسط في موقعها 2022/7/5: [واشنطن: «الشرق الأوسط أونلاين» قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية، نيد برايس، اليوم (الثلاثاء)، إن إيران قدّمت مراراً في الأسابيع والشهور الأخيرة مطالب خارج إطار الاتفاق النووي المبرم عام 2015، مضيفاً أن المطالب الجديدة تشير إلى غياب الجدية من جانب طهران. وانتهت في الدوحة الأسبوع الماضي المحادثات غير المباشرة بين طهران وواشنطن، التي رمت إلى كسر الجمود بشأن كيفية إنقاذ الاتفاق النووي، دون إحراز التقدم المأمول. وقال برايس إنه لا توجد جولة أخرى من المحادثات المزمعة مع إيران في الوقت الحالي، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.]

 

د- وجاء في اليوم السابع 2022/5/5: [تحديات عدة يواجهها الرئيس الأمريكي جو بايدن والحزب الديمقراطي مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، والتي تأتي بعد أزمات متتالية عصفت بالإدارة الأمريكية التي فشلت على مدار ما يقرب من 3 أشهر في إثناء روسيا عن مواصلة حربها داخل الأراضي الأوكرانية، رغم سلسلة العقوبات الاقتصادية المتتالية التي فرضتها ضد موسكو، وما واكب ذلك من آثار عالمية على مؤشرات التضخم وتعثر إمدادات الطاقة، ما دفع الفيدرالي الأمريكي لرفع سعر الفائدة بمعدل 0.5% في أكبر زيادة خلال الـ22 عاماً الماضية. وبحسب محللين ووسائل إعلام أمريكية تعد انتخابات التجديد النصفي بمثابة استفتاء على رئاسة بايدن فى العامين الأوليين له في الحكم...]

 

وهكذا فإن الهدف الأساس من زيارة بايدن للمنطقة في هذا الوقت بالذات، أي قبيل الانتخابات النصفية، هذا الهدف هو كما ذكرنا في البداية: (إن المتدبر لزيارة بايدن للمنطقة يرى أنها مقدِّمة للانتخابات النصفية لرفع أسهم بايدن وحزبه في هذه الانتخابات حتى وإن غُلِّفت ظاهرياً بأهداف أخرى!)

 

ثالثاً: وفي الختام فإننا نؤكد على أمرين:

 

1- إن هذه الدول المسماة كبرى تتخللها هشاشة تصل أحياناً إلى الصراع الساخن بين أحزابها ومكوناتها... لكنها، وهذا المؤلم، تجد حل مشاكلها في بلادنا وعلى حسابنا! فيزور بايدن بلادنا، منطلقاً إلى أشد الناس عداوة لنا، كيان يهود القائم على احتلال أرضنا المباركة فلسطين، ومن ثم لينتقل مباشرة إلى أرض الحجاز فيستقبله حكامها خانعين مهللين، ويفتخر بايدن (مشيراً إلى أنه سيكون أول رئيس أمريكي يسافر من "إسرائيل" إلى جدة... ويقدم لدولة يهود أكبر حزمة دعم في التاريخ...) ومع ذلك فلا يستحيي حكام آل سعود بل حتى الحياء فقدوه! ويلتقي بايدن بعد ذلك حكام دول الخليج لبحث زيادة إنتاج الطاقة لتخفيف التضخم في أمريكا، ثم يجتمع بهذا الرهط مع حكام النظام المصري والعراقي والأردني والسلطة لبحث ملف التطبيع قائلاً (إن أي تطبيع يعد إيجابياً)... هكذا يريد لهم بايدن أن يكون التطبيع بدل الجهاد لإزالة كيان يهود! ومن ثم يصفق لبايدن أولئك الحكام دون خشية من الله ورسوله والمؤمنين! فبدل أن تكون أمريكا وكيان يهود ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ يطبِّع الحكام معهما، ولهما يركعون!

 

2- أما ما جاء في آخر السؤال (هل يمكن لإيران أن تصبح قوة نووية)، فنعم يمكن أن تكون لو لم تنسق سياستها الخارجية كما تم بيانه مع أمريكا، ومن ثم تصبح قوة ذات شأن... لكن ربط إيران لنفسها بالسياسة الأمريكية لتدور في فلكها يجعلها لا تكون، وهي مستمرة كذلك لأن نخبتها الحاكمة قد استمرأت الارتباط بالسياسة الأمريكية لا تنفك عنها بحال، فبدل أن تتحكم هي بالاتفاق النووي ربطت ذلك بمحادثات فينّا أي بموافقة أمريكا: (وقال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، سعيد خطيب زادة، في مؤتمر صحافي، "إذا تم إنجاز اتفاق في فيينا غداً، كل الإجراءات التي اتخذتها إيران قابلة للعودة عنها تقنياً". إندبندنت عربي، 2022/6/13)، لذلك فإن تغييراً جوهرياً في إيران أمر مستبعد إلا أن تُحكِّم إيران الإسلام في سياستها الداخلية والخارجية، وتقطع علاقتها بأمريكا قطعاً لا رجعة بعده... نقول هذا ونحن نستبعد حدوثه من الساسة الإيرانيين الحاليين، ولكن ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ.

 

الخامس عشر من ذي الحجة 1443هـ

2022/7/14م