فكرية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

ما هذا العقوق يا جيوش المسلمين؟!

 

 

روى أحد الأشخاص قصة حدثت معه، وقال: بينما كان على شاطئ البحر مع عائلته وأراد العودة إلى منزله صادف امرأة كبيرة في السن، حيث كانت تجلس لساعات طويلة على الكرسي بالقرب من الشاطئ، فبدأ ينظر لها ولم يأتِ أحد إليها، وعندما تأخر الوقت ذهب إليها وسألها من تنتظرين يا أمي؟ فقالت: أنتظر ولدي ذهب إلى المتجر المقابل وسيأتي بعد قليل، فشك في أمرها لأنها بقيت وقتاً طويلاً وقد تأخر الوقت، فانتظر ساعة كاملة ولم يأتِ أحد لأخذها، وقال الرجل في نفسه لا أظن أن أحداً سيأتي بعد هذا الوقت ليأخذها، فذهب إليها مرة أخرى وقالت: سيأتي ولدي بعد قليل، وهو يتحدث معها فنظر فإذا ورقة بجانب هذه المرأة، فقال لها: لو سمحت ما هذه الورقة؟ فقالت له: لقد ترك ولدي هذه الورقة وأخبرني أن أعطيها لأي أحد يأتي، فأخذها وفتحها، وتفاجأ بما في داخلها، فسألته المرأة ماذا يكتب يا ولدي؟ فقال لها مكتوب فيها: إلى من يجد هذه المرأة الرجاء أن يأخذها إلى دار العجزة. اندهشت المرأة وبكت، فقد انكسر قلبها فهي من تعبت لتربية أبنائها وفي النهاية تركوها لوحدها، فهل هذا جزاء تعبها وتضحياتها؟!

 

إنه العقوق بأبشع أشكاله وأنواعه، والعقوق كلمة تحوي الكثير من الصفات السيئة والمقيتة، فالعقوق ظلم وخيانة وعدم وفاء وجحود وخسة وعدم احترام لمن ربّاك ورعاك وسهر على راحتك وطمأنينتك وسلامتك ليل نهار دونما أجر أو مقابل. ولذا كان العقوق من كبائر الذنوب وأعظمها، واستحق العاق لوالديه أبشع أنواع العذاب والتنكيل، فبئس الفعل والفاعل.

 

ولكن ماذا عن الجيوش التي تعق أمتها؟ أليست الجيوش هي من أبناء الأمة؟ أليست الأمة هي أم لهذه الجيوش؟ ألم يتربّ هؤلاء الجنود ويكبروا ويترعرعوا على مصادر هذه الأمة وشربوا من حليبها ومائها؟ ألم ينهلوا من مصادرها وثرواتها وخيراتها؟ ألم تمنحهم أمتهم الأرض والطعام والشراب والممتلكات والخيرات وأمنتهم على نفسها وأرضها وشرفها وعرضها ومقدساتها وحرماتها؟

 

ولكن أين الوفاء وردّ الجميل؟ ما هذا العقوق يا جيوش المسلمين؟ ألم تحتجكم أمتكم منذ مئة عام لتحرير فلسطين؟ ألم تحتجكم لاستعادة خلافتها؟ ألم تحتجكم للذود عن الحبيب المصطفى لما أساءت دول أوروبا له؟ ألم تحتجكم لما غزا المستعمرون الأمريكان والإنجليز وغيرهما أفغانستان والعراق؟ ألم تحتجكم لنصرة البوسنة والصومال؟ ألم تحتجكم لنصرة أهلنا في الشام؟ ألستم قد تركتموها كما ترك ذلك الولد العاق أمه عند الشاطئ؟ ألم تتخلوا عن جنين والقدس وغزة مرارا وتكرارا؟ وها أنتم تتخلون عن نصرة كتاب الله الكريم وتتركونه ليدنسه السويديون والدنماركيون. أي عقوق هذا وأي تخاذل هذا وأية خيانة هذه لله ولرسوله ولأمة الإسلام؟!

 

أليست البلاد والجيوش والمصادر والثروات هي ملك الأمة؟ أليست فلسطين والشام والعراق والمغرب واليمن والحجاز وكل بلاد المسلمين التي فتحها المسلمون، أليست هي كلها ملكا للأمة الإسلامية؟ أم هي ملك للحكام والملوك والوزراء؟ هل تحولت الجيوش من حماية ونصرة أمتهم ودينهم وبلادهم وثرواتهم ومقدساتهم إلى حماية ونصرة الحكام الذين سلبوا الأمة سلطانها وملكها وثرواتها؟ أليس هذا بالعقوق والفجور؟ أليس الوقوف مع الذين يعذبون ويسومون الأمة سوء العذاب ويخذلونها عقوقاً؟ ألا تفعل الجيوش ذلك؟ ألا تحمي الظلمة والمنافقين حكام المسلمين؟ ألم يتحول دورها من خدمة الأمة والسهر على راحتها وأمانها وطمأنينتها وحمايتها وحماية ثرواتها إلى السهر على راحة وطمأنينة أولئك الحكام العملاء؟

 

أي عقوق هذا يا جيوش المسلمين؟ وأية خيانة ترتكبونها بصمتكم وبقائكم رابضين في ثكناتكم والأمة تعاني الأمرين من الذل والقهر تحت حكم الخونة العملاء؟ أليس فيكم ضابط رشيد؟ أليس فيكم جنرال عزيز؟ أليس فيكم لواء سديد؟ أم أن البطولات تركت لبعض الجنود الأبطال أمثال محمد صلاح، الذي تسلل بنفسه لكيان يهود وقتل جنودهم وصدع أمنهم ونغص عيشهم وارتقى شهيدا إلى جنات النعيم؟!

 

إن هذا كله ليس تحريضا لاستعداء الجيوش ونبذها، فالأمة كالأم لا تنبذ أبناءها ولو أساؤوا لها، إنما هو تذكير للجيوش بدورها المهم وهو حماية أمهم الحقيقية - الأمة الإسلامية - ونبذ الخونة والعملاء حكام المسلمين الذين هم أيدي وأذرع المستعمرين للنيل من أمتنا، إنها دعوة لجيوش المسلمين لنبذ من باع فلسطين، إنها دعوة لهم لترك الولاء لأعداء الله وموالاة الله ورسوله وأمة الإسلام. إنها دعوة لهم ليكونوا مثل سعد بن معاذ الذي اهتز عرش الرحمن لوفاته، ودعوة لهم ليحشروا يوم القيامة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، إنها دعوة ليكونوا مع خالد بن الوليد وصلاح الدين، وقطز وبيبرس وألب أرسلان وأرطغرل وعثمان ومحمد الفاتح والفاتحين العظام.

 

فالله الله في أنفسكم يا جيوش المسلمين، الله الله في أنفسكم أيها الجنرالات ويا قادات الألوية ويا أيها الضباط، ها هي أمتكم تدعوكم لنصرتها وحمايتها، وها هي بلاد المسلمين المحتلة تنتظركم، وها هي الحرائر في سجون بشار يستصرخنكم، وها هي فلسطين والمسجد الأقصى ينتظرونكم، فانفضوا غبار الذل عن أكتافكم، وعودوا لأمتكم، واعصوا حكامكم، وبايعوا خليفتكم، وتحركوا معه ومن ورائه لعز الدارين.

 

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

د. فرج ممدوح

آخر الإضافات